المقريزي
219
إمتاع الأسماع
وقال تعالى : [ إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم * ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم أسرارهم ] ( 1 ) ذلك بأنهم قالوا لبني قريظة والنضير : سنطيعكم في بعض الأمر ، فأخرج الله أسرارهم لنبيه . ونظائر ذلك مما أطلع الله عليه نبيه مما أسره اليهود والمنافقون في القرآن كثير . وهذا مما لا يجوز أن يكون وقوعه بطريق الاتفاق ، ولا هو مما لا تصل قدر البشر إلى معرفته ، فلم يبق إلا أن يكون أطلع الله نبيه عليه ، مما أسره اليهود والمنافقون وأعلمه به ، وأين إعلام المسيح أصحابه بما يأكلون ، وإخباره لهم بما [ يدخرون ] ( 2 ) ، من إعلام الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الحوادث العظيمة ، والغيوب البديعة قبل كونها ؟ . قال الحافظ أبو نعيم : ووجه الدلالة في إخباره صلى الله عليه وسلم بالغيوب على صدق نبوته ، وثبوت رسالته ، أن مولده ومنشأة في قوم أميين ، لم يتعاظموا علما بالنجوم ، ولا حكما بالطوالع والكواكب ، حسب ما يستنبطه المنجمون ، ولا عرف هو بطلب شئ من ذلك في بلده ولا في أسفاره ، وكانت الكهانة بمبعثه ، ولم يكن له علم بالغيوب ، إلا بوحي يأتيه به جبريل عن الله تعالى . ولو كان في قومه وبلده المنجمون والمستنبطون وهو لم يخالطهم ، ولا عرف بالأخذ عنهم وأخبر ما أخبر به من الغيوب لكان ذلك دلالة على نبوته ومعجزة له إذا أخفى ذلك على عشيرته وخلطائه لمفارقة تلك العادات ، وليس بجائز أن يكون إخباره مأخوذا عن الشياطين مع ما جاء به من سبهم ولعنهم ، فثبت بهذا أن الإخبار فيما أخبر به من الغيوب عن الله تعالى . وأما ما اعترض به بعض الملاحدة والكفرة بأنه لم يأت بآية قاطعة محتجا بقوله تعالى : [ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ] ( 3 ) ، وما أشبهه من الآي ، فكيف وقد ورد القرآن بقوله : [ اقتربت الساعة وانشق
--> ( 1 ) محمد : 25 - 26 . ( 2 ) زيادة للسياق . ( 3 ) الإسراء : 59 .